في الأسبوع الماضي دعا وزير الخارجية الإسرائيلي –اليميني المتطرف- أفيغدور ليبرمان إلى ترك قطاع غزة والانفصال النهائي عنه وبالتالي الإعلان عن طريق الأمم المتحدة أن إسرائيل لم تعد قوة محتلة لقطاع غزة. قد تبدو مطالبة ليبرمان غريبة للوهلة الأولى وهو من أقطاب اليمين المتطرف، ولكن لو فكرنا في الأمر سنجد أن هذا ما تريده وتسعى إليه إسرائيل منذ زمن بعيد.
دعوة ليبرمان على أية حال لم تكن الأولى في السياسة الإسرائيلية، ففي أوج الانتفاضة الأولى قبل عشرين عاماًُ دعا وزراء وقادة إسرائيليون إلى التخلي عن قطاع غزة، لأن ضرره أكثر من نفعه بالنسبة لإسرائيل. وهناك مقولة شهيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق المقبور رابين وهي أنه يتمنى أن يصحو من نومه ليجد غزة وقد ابتلعها البحر.
من ناحية عسكرية أو أمنية لا يمثل قطاع غزة الصغير المكتظ بالسكان أي منفعة جيواستراتيجية لإسرائيل، بل على العكس فإن عدد السكان المتزايد في تلك البقعة الصغيرة من الأرض يمثل عبءً مادياً وأمنياً كبيراً بالنسبة لها، وبالتالي فإن التخلي عنه لصالح أي طرف – يحفظ أمن إٍسرائيل- ويخلصها من عبء الاهتمام بشؤون السكان هو مصلحة إسرائيلية كبرى.
كان المأزق أو المعضلة الوحيدة بالنسبة لإسرائيل هو إيجاد هذا الطرف أو تلك الجهة المستعدة لتحمل أعباء السكان وتخليصها من تلك الورطة المسماة قطاع غزة.
على عكس قطاع غزة فإن الضفة الغربية تمثل أهمية استراتيجية وجغرافية كبيرة بالنسبة لإسرائيل، فمن فوق تلال رام الله يمكن انكشاف الساحل الفلسطيني كله عسكرياً ومن فوق جبال الخليل يمكن قصف ديمونا، إضافة لمصادر المياه التي تشكل ثلث الثروة المائية في فلسطين. إسرائيل أدركت أهمية الضفة الغربية وعدم أهمية قطاع غزة منذ أمد بعيد ولذا فقد عملت على فصل قطاع غزة عن الضفة تمهيداً للانفصال النهائي وإلقاء العبء على أي طرف مستعد لتقديم الخدمات البلدية للسكان.
لقد بدأ مخطط الفصل منذ العام 1990 وبعد حرب الخليج الثانية المسماة حرب تحرير الكويت. في تلك الفترة بدأت إسرائيل بإرغام سكان غزة الراغبين في السفر للضفة الغربية – سواء للدراسة أو التجارة أو أي سبب- على الحصول على تصاريح مسبقة من جيش الاحتلال أو ما كان يسمى بالإدارة المدنية. في ذلك الوقت لم يكن التدقيق شديداً على المسافرين من غزة للضفة حيث كان جنود حاجز إيرز الفاصل بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة (كان حاجزاً في ذلك الوقت وأصبح اليوم معبراً) كانوا يوقفون سيارة عشوائياً من بين كل خمس أو عشر سيارات ويدققون في هويات المسافرين وتصاريحهم، ومن لم يكن يحمل تصريحاً كانت تتم إعادته ليعود من جديد في سيارة أخرى.
كان منح تلك التصاريح يتطلب الكثير من التدقيق الأمني ويتبع إلى حد كبير مزاج الضابط المسئول عن تلك التصاريح وتدريجياً بدأت إسرائيل بتقليص عدد التصاريح إلى حد قليل جداً وصلت إلى الصفر في وقتنا الحالي.
كان منع السفر غير مقصور على المسافرين للضفة بل حتى العمال من قطاع غزة والذين يعملون في إسرائيل تم تقليصهم تدريجياً حتى وصل إلى الصفر في الوقت الحالي.
ومع التدقيق في هويات المسافرين من غزة كانت إِسرائيل تطارد من تجده في الضفة من سكان غزة وتعيد من تلقي القبض عليه إلى القطاع. كان الأمر أشبه بلعبة القط والفأر ما بين سكان غزة المضطرين للسفر وبين قوات جيش الاحتلال وهكذا تم الأمر بالتدريج وتطورت الأمور إلى بناء السياج الإلكتروني حول قطاع غزة وتحويل حاجز إيرز إلى معبر كتلك الموجودة على الحدود الدولية بين أي دولتين.
مع توقيع اتفاق أوسلو نصت بنود الاتفاق على اعتبار الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة جغرافية واحدة، ولكن إسرائيل لم تنفذ بالطبع هذا البند كحال الكثير من البنود التي لم تلتزم بها إٍسرائيل. لم تهتم سلطة أوسلو بالأمر رغم الكلام الكثير عن ما سمي بالممر الآمن بين الضفة وغزة إلا أن إٍسرائيل كانت تتذرع دوماً بالحجج الأمنية ولم يتم تنفيذ هذا الأمر فلا كان ممراً ولا آمناً.
بعيد تفكيك إسرائيل للمستوطنات الصهيونية في القطاع صيف العام 2005 كان أقر شارون بالانسحاب من خط الحدود بين قطاع غزة ومصر رغم معارضة قادة الجيش لهذه الخطوة. كانت إسرائيل تفكر بفك الارتباط كلية عن قطاع غزة ولكن قادة سلطة أوسلو رفضوا الأمر، حيث أن إسرائيل هددت برفع الغطاء الجمركي عن قطاع غزة. هذا الغطاء الجمركي وحسب اتفاقات أوسلو سيئة الذكر يعني أن قطاع غزة والضفة الغربية وإسرائيل هي منطقة جمركية واحدة وأي بضائع تدخل أو تخرج من أي من تلك المناطق تعامل نفس المعاملة. وهكذا باتت إٍسرائيل تجبي الجمارك عن أي بضائع قادمة للضفة وغزة وهذا حسب اتفاق باريس الاقتصادي الذي باتت إسرائيل تتحكم في أموال الجمارك بسببه ثم تحتجزها إن شاءت أو تحولها لسلطة أوسلو إن كانت راضية عنها.
بعد سيطرة حماس على مقاليد الحكم في غزة اتخذت إسرائيل ذلك الأمر ذريعة لفصل ما تبقي من روابط بين غزة من جهة وبين فلسطين المحتلة والضفة الغربية من جهة أخرى. في المقابل تم غض الطرف عن انفتاح قطاع غزة على مصر وإن كان الأمر يتم عن طريق أنفاق التهريب الحكومية والتي قامت حكومة حماس بالإشراف عليها. وباتت البضائع التي كانت تدخل من إسرائيل تحل محلها بضائع مصرية عن طريق الأنفاق. شيئاً فشيئاً أصبحت أنفاق الحدود مع مصر هي البديل للواردات من إسرائيل.
مصر من جهتها كانت راضية عن الأمر وتغض الطرف عن تلك الأنفاق الكثيرة، لأنها أنعشت الاقتصاد المصري في منطقة شمال سيناء التي تعتبر منسية من جهة الدولة المصرية، وباتت تجارة الأنفاق تضخ الملايين من الدولارات شهرياً لشمال سيناء واستفاد البدو من المهربين وغيرهم كما استفاد كبار الضباط من رشاوى المهربين واستفادت حكومة حماس من الضرائب التي فرضتها على أصحاب الأنفاق.
من ناحية ثانية فإن مصر تخشى الانفتاح الزائد على قطاع غزة لأنه في تلك الحالة تتخلص إٍسرائيل من تلك المصيبة وتلقيها لمصر التي لا تريدها، فلا أحد يريد قطاع غزة: لا إسرائيل ولا مصر، كما أن النظام المصري لن يكون سعيداً بجوار حكومة الإخوان المسلمين الذين يعتبرهم أعداؤه.
من هنا بات من الواضح أن سيطرة حماس على قطاع غزة أدت لزيادة عزلة القطاع عما كان عليه سابقاً وزيادة القطيعة بين الضفة وغزة وباتت كل المشاريع الحيوية والتطويرية والعمرانية من نصيب الضفة الغربية التي ازدهرت وانتعش اقتصادها بينما غرقت غزة في الظلام وصعد تجار الأنفاق وصغار المهربين وأصبحوا من أصحاب الملايين على حساب أصحاب رؤوس الأعمال والتجار وأصحاب المصانع الذين خسروا ما فوقهم وما تحتهم.
في نفس الوقت فإن حماس وفرت البضاعة المطلوبة للاحتلال بمعنى أنها أصبحت ربة البيت وأصبح هناك ما يشيه هدنة غير معلنة بين حماس وإسرائيل. حماس لا تطلق صواريخ أو قذائف من غزة وتقوم بكبح جماح نشطاء الفصائل الأخرى بحجج كثيرة ووصل الأمر لاعتقال نشطاء من إحدى الفصائل حاولوا إطلاق صواريخ على إسرائيل. إسرائيل من جهتها تمتنع عن مهاجمة نشطاء حماس في غزة. وبينما تقوم إسرائيل بتهويد القدس وهدم بيوتها وطرد سكانها تنشغل حماس بمشكلة الكهرباء في غزة وتهريب السيارات والبضائع من مصر بينما ينشغل حكام رام الله بالتنسيق الأمنى مع ضباط جيش الاحتلال والانصياع لقرارات الحاكم الأعلى للقوات العباسية ألا وهو الجنرال مولر الذي خلف الجنرال دايتون قبل فترة قصيرة والتفكير هل ينتقلوا للمفاوضات المباشرة أم يبقوا على المفاوضات غير المباشرة؟