سأنطلق في مقالتي هذه من مسلّمة وجود الوحي الثاني وهو وحي إلهي وصل إلى النبي محمد عليه أزكى الصلاة والسلام سوى القرآن (الوحي الأول).
وعلى الذين ينكرون هذه المسلّمة أو يريدون دليلا من القرآن على صحتها أن يرفعوا أيديهم، ونحن سنقوم إن شاء الله بإثباتها لهم (من القرآن).
هل كفر المسلمون لأنهم حاولوا جمع وتدوين الوحي الثاني؟ هو السؤال الذي ستدور حوله هذه المقالة.
القرآن الكريم يتفرد بكونه كلام الله، وهو بهذا يعلو ولا يعلى عليه، وهو وحده يستحق التقديس. هذا الأمر ليس محل نقاش وتجاذب، ولكن التقديس شيء والتقدير شيء آخر تماما.
نقطة وجب توضيحها لأن البعض يخلط بينهما ويبني على خلطته أحكاما فاسدة.
هل كان النبي مجرد ساعي بريد تنحصر مهمته في توصيل الوحي الأول للناس؟ أم كان نبيا ومعلما وحكيما وقائدا وأسوة؟ إذا كنا نرفض أن نتعلم من النبي المعلم الحكيم القائد الأسوة، فممن سنتعلم؟ من رويبضة وإخوانه!
يحاجج البعض بأن "القرآن كتاب مبين وكامل" ولهذا فهو ليس بحاجة لمن يشرحه ويبيّنه! يعني هو يؤمن أن القرآن يشرح نفسه بنفسه، وفيه كل شيء. ومعنى كلامه أنك لو كنت أعمى وأطرش فأنت ستفهم القرآن لأنه لا يحتاج أي أدوات خارجية لفهمه، فهو مبين بذاته! الواقع يقول عكس ذلك.
طيب افتح عيونك وآذانك. الآن هل يمكن أن تفهم كلمة واحدة من القرآن إذا كنت لا تتحدث العربية؟
طيب أتقن العربية وتعال، هل فهمت الآن كل القرآن، نصفه، ربعه؟ والله لم تفهم ولا حتى 10% من القرآن.
طيب الآن اذهب وافتح كتب التراث وادرسها وابحث فيها، لا يهم موقفك مما جاء فيها، يعني سواءً بسواء أعجبتك أم لم تعجبك. الآن هل صرت تفهم القرآن أفضل؟ هل صرت قادرا على رؤية الصورة بشكل أوضح؟
هذا هو يا عزيزي أهم دور تلعبه كتب التراث، وفي مقدمتها طبعا كتب الحديث والسيرة.
نعود للبعض الذي يرى القرآن مبينا وكاملا بالمعنى المشوه المعروض أعلاه. ولكنه في كل مرة يطرح مجموعة من الأسئلة التي تدور في ذهنه والتي لم يجد لها جوابا مقنعا، وطبعا يعجز هو وغيره عن الإجابة، أو يختلفوا فيها وتتنوع الإجابات لتشكّل طيفا ممتدا من الشرق إلى الغرب، فيه كل ألوان الطيف المرئي وغير المرئي (قوس قزح وما فوقه وتحته) وكالعادة ينتهي النقاش ويغيروا الموضوع إلى مجموعة أخرى من الأسئلة، وهلم جرا.
أليس هذا تناقضا يستوجب الوقوف عنده؟ إن كان القرآن مبينا بالمعنى الذي يظنه هذا البعض فلماذا يقوم بطرح كل هذه الأسئلة؟ لماذا لا يتظاهر بأنه فهم كل شيء ولا يوجد عنده أي سؤال، وبهذا قد نقتنع منه أن القرآن مبين بالشكل المشوه المذكور أعلاه. يعني ليتصرف هذا البعض كما يتصرف الطلاب الكسالى عندما يهزون رأسهم بالإيجاب (لتحت) عندما يسألهم معلمهم: "هل فهمتم؟"، ويهزون رأسهم بالنفي (لفوق) عندما يسألهم معلمهم "هل عندكم أي سؤال؟". أما أن نفهم صفة المبين بهذا الشكل ثم نطرح زمر الأسئلة المتتالية فهذا شيء يبعث على الضحك في آخر الليل!
نقطة نظام: هل يظن هذا البعض أنه هو وحده صاحب عقل يحلل ويفكر، وهو وحده يخرج بأسئلة مستعصية لم تخطر على قلب بشر؟ كيف يقبل أن يطرح هو وحده مئات الأسئلة في بضع سنين، وأن يطرح الصحابة كلهم مجتمعين على النبي مئات الأسئلة على مدى 23 سنة؟
كان المسلمون في زمن النبي يردّون كل إشكال أو استفسار أو خلاف إلى النبي، فيجيبهم عن تساؤلهم بما توفر لديه من الحكمة والعلم، وإن عجز عنه جاءه الوحي بالخبر اليقين. هناك آيات كثيرة (بالمئات) يبدو منها أنها تجيب عن أسئلة تم توجيهها للنبي ولما عجز عنها أعانه الله عليها بشكل مباشر (الوحي الأول). ولكن هل يعقل أن هذه الأسئلة هي كل شيء؟ هل يعقل أن النبي الذي عاش بين أصحابه 23 سنة لم يتعرض سوى لبضع مئات من الأسئلة فقط؟ يعني بمعدل سؤال واحد في الشهر! والله إني لأرى النبي يجيب عن أسئلة مستعصية (أكثر استعصاء من أسئلة البعض) بمعدل سؤال واحد في اليوم على أقل تقدير.
لا شك أن النبي كان يجيب عن الأسئلة بإحدى الآليات المتاحة له: فهو إما أجاب بفضل ما آتاه الله من الحكمة والنبوغ، فإن لم يستطع فعبر أحد الوحيين الأول والثاني.
شاءت حكمة الله أن يحفظ لنا بقدرته ولطفه الوحي الأول وذلك عبر تسخير كتائب المسلمين من حفظة القرآن وكتابه. ولكن شاءت حكمته بقدرته ولطفه أيضا أن يجعل الوحي الثاني والحكمة في ساحة الظن والاحتمال. هذان (الوحي الثاني والحكمة) هما ما اصطلح على تسميتهما سنة رسول الله.
في زمن الصحابة كان الثلاثة (الوحيين الأول والثاني والحكمة) ضمن ساحة اليقين، ولكن بمرور الزمن وتعاقب الأجيال بدأت الأمور تتغير. من سوء حظنا (وربما من حسن حظنا) أن النبي بعث في زمن لم تكن فيه كاميرات وموبايلات وأشرطة فيديو وأقراص ليزرية وإلا لكنا اليوم نتفرج على النبي ونتابع محاضراته التي سجلها الصحابة قبل 1400 سنة! إذن هي حكمة الله.
ليس ذنب الصحابة والتابعين ومن تبعهم على الدرب أنهم لم يمتلكوا كل هذه التقنيات التوثيقية فاضطروا لاستخدام العنعنة في التوثيق. ليس ذنبهم أنهم كانوا يتنقلون على الإبل والخيل والبغال والحمير فهم لم يعرفوا القطار والسيارة والطائرة. هل يعقل أن كلام النبي (أعظم الحكماء) ليس ذي قيمة ويجب أن نتجاهله ولا نعتني به، أي أن نجعل كلام النبي دون كلام غيره من الحكماء والعلماء، بل ودون كلام السياسيين والأدباء!
إذا اتفقنا أن كلام النبي هام ويستحق أن نعتني به فسيكون عندها ممكنا متابعة الحوار لنرى هل كلامه هام ولكنه يبقى مجرد كلام بشري لا دخل له بصميم الدين (لا يضيف ولا يقدم شيئا للدين، يعني ككلام أي حكيم أو عالم آخر)، أم هو جزء أساسي من منظومة الفكر الديني بتعاليمه وأحكامه وتطبيقه؟
بعد ذلك سنبحث بإذن الله في إشكالية مشروعية استخدام الظن في فهم الدين، بإعتبار أن القرآن وحده يقيني الثبوت وكل ما عداه ظني الثبوت.
في النهاية:
موضوع الشحادة (الشحاتة) وحكمها في القرآن يعد مثالا صريحا على حاجتنا لكلام النبي، وكذلك موضوع حكم الذهب للرجال، ولكن رغم العجز عن إيجاد المقابل لهذه الأحكام في القرآن فقد استمسك كلٌ برأيه ولم يتزحزح عنه قيد أنملة، ألا يذكرنا هذا الموقف بموقف أبي جهل وأمثاله من دعوة الحق التي صدح بها المزمل!؟
سنتابع بعون الله طرح الأمثلة، وهذا هو المثال الثالث:
الرضاعة،
أولا: متى يتم تثبيت الأمومة من الرضاعة؟ بعد رضعة أم اثنتين أم مصة أم مصتين؟ أم حسب الوزن والكمية؟ أم حسب مدة الرضاعة بالساعات والدقائق والثواني؟
ثانيا: من هم الداخلون في حرمة الزواج من الرضاعة؟ مثلا هل في القرآن أية تحرم العمة من الرضاعة (أخت زوج المرضعة) على الرضيع؟ ما هي هذه الآية؟ أم تراكم لا تعترفون أصلا بوجود العمة من الرضاعة؟
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.